بقلم : عزيز ايت واعراب
تُقاس جودة الممارسة السياسية ورصانة المسؤولية الدستورية بمدى وفاء المنتخبين بعهودهم تجاه الساكنة التي وثقت بهم، وبقدرتهم على تحويل الأصوات الانتخابية إلى ترافع حقيقي عن القضايا العادلة والمصيرية للمواطنين.
وفي المغرب، يظل اختبار الأزمات والمناطق المهمشة المعيار الحقيقي الذي ينكشف عنده الفرق بين “التمثيلية الفعلية” و”الاستغلال الانتخابي”.
في هذا السياق، وأمانةً للتاريخ والسياسة، يستحضر الرأي العام المسار السياسي للسيد خالد حاتمي، وزير الفلاحة الحالي في الحكومة الجديدة، والذي شغل خلال الولاية التشريعية السابقة مقعداً برلمانياً عن دائرة تارودانت الجنوبية.
المثير للإهتمام هنا هو التذكير أن جزءاً أساسياً ومحورياً من الأصوات التي مهدت له الطريق إلى قبة البرلمان جاءت من عمق جبال تارودانت؛ تلك المناطق النائية التي ما فتئت تعاني لعقود من الإقصاء، والتهميش، وضعف البنيات التحتية والتجهيزات الأساسية.
لقد استفاد السيد الحاتمي في استحقاقات 2021 الانتخابية من الرصيد التنظيمي والشعبي لحزب الأصالة والمعاصرة في المنطقة، متكئاً على الحضور السياسي والإنساني الوازن الذي بناه الراحل أحمد أنجار بلكرموص، الأمين الإقليمي السابق للحزب وابن الجبل الذي حظي بمحبة وثقة واسعتين بين أهالي المنطقة.
غير أن هذا الرصيد وهذه الثقة يطرحان اليوم سؤالاً جوهرياً يفرض نفسه بقوة: ماذا قدم السيد خالد حاتمي للساكنة التي منحته ثقتها وأصواتها؟
تفيد المعطيات والشهادات الميدانية بأن التواصل بين البرلماني وساكنة الجبل شهد تراجعاً ملموساً ومحدودية واضحة عقب الفوز بمقعده النيابي، بل إن كثيراً من المناضلين والفاعلين الذين انخرطوا بحماس في حملته الانتخابية وجدوا أنفسهم أمام أبواب مغلقة وجفاء تواصل طبع المرحلة التالية لانتهاء الانتخابات.
ولم تكن الأزمة لتمهل أحداً؛ ففي مساء الجمعة 8 شتنبر 2023، ضرب الزلزال المدمر المنطقة، مخلفاً مآسي إنسانية وأضراراً مادية جسيمة لدى مئات الأسر.
ورغم أن السيد البرلماني قام بزيارة ميدانية للمنطقة رفقة عدد من المسؤولين عقب الفاجعة مباشرة، إلا أن الواقع يثبت أن الزيارات الاستعراضية أو الخاطفة لا تكفي إزاء حجم الكارثة.
لقد كانت الساكنة المكلومة بحاجة ماسة إلى إنصات مباشر مستمر، وإلى صوت يجهر بمطالبها، وترافع نيابي صلب يتابع تنفيذ التوجيهات الملكية السامية ويضمن تسريع وتيرة إعادة الإعمار، والتعويض، وجبر الضرر.
لقد جاء البلاغ الصادر عن الديوان الملكي بقرارات حاسمة تقضي بتقديم مساعدات مالية مباشرة بقيمة 140 ألف درهم للمنازل المنهارة كلياً، و80 ألف درهم للمنازل المنهارة جزئياً.
لكن السؤال المؤرق الذي يتطلب إجابات صريحة اليوم يتعلق بوضعية عشرات الأسر المتضررة في جبال تارودانت التي لا تزال تنتظر تسوية ملفاتها أو صرف تعويضاتها المستحقة؟
وأين كان ممثلها البرلماني من متابعة هذه الملفات الشائكة والدفاع عن حقوق أصحابها في المؤسسات المعنية؟
إن المسؤولية السياسية ليست تشريفاً ينتهي بمجرد الظفر بمقعد أو نيل منصب وزاري، كما أن الواجب الوطني والأخلاقي للمنتخب لا يسقط بزيارة عابرة لمنطقة منكوبة دون متابعة ميدانية وترافع مؤسساتي مستمر.
إن جبال تارودانت ليست مجرد خزان انتخابي يُلجأ إليه لمسح الغبار عن الصناديق، وليس أهالي الجبل مجرد أرقام تُستحضر في المواسم ثم تُنسى وتُهمش فور إعلان النتائج.
إن أبناء هذه المناطق الأبية يستحقون تمثيلية سياسية حقيقية، وتواصلاً دائماً، ودفاعاً مستميتاً عن حقوقهم المشروعة في السكن اللائق، والتنمية القروية، والحماية من آثار الكوارث الطبيعية.
واليوم، والسيد خالد حاتمي يتحمل مسؤولية محفظة الفلاحة والتنمية القروية في الحكومة، يبقى من حق المواطنين والرأي العام التساؤل عن حصيلة تمثيليته النيابية السابقة، وعن مدى استحضاره لقضايا وآلام المناطق التي كانت أصواتها معبراً رئيسياً لوصوله إلى أعلى مراتب المسؤولية.
و للتذكير وللأمانة، فإن التمثيلية السياسية أمانة ومحاسبة، وثقة المواطنين لا يمكن بحال من الأحوال أن تتحول إلى تفويض بالصمت عن معاناتهم وآلامهم.





