تُعاني المنظومة الصحية في جهة سوس ماسة من أزمة حقيقية، تتجلى بوضوح في مستشفى الحسن الثاني بأكادير، الذي أصبح محط انتقادات لاذعة. فبين البيانات الرسمية التي تنفي وجود أي نقص أو سوء إدارة، والواقع الذي يعيشه المرضى يوميًا، تتسع الهوة، مما يثير تساؤلات جدية حول كفاءة الإدارة وفاعلية الاستثمارات الموجهة للقطاع.
أحد أبرز مظاهر هذه الأزمة هو النقص الحاد في منتجات التخدير الذي شهده المستشفى خلال شهر يوليو الماضي. فرغم نفي المديرية الجهوية للصحة، إلا أن عدد العمليات الجراحية انخفض بشكل ملحوظ، مما تسبب في معاناة كبيرة للمرضى، ومنهم سيدة مسنة اضطرت للانتظار شهرًا كاملاً لإجراء عملية جراحية بسبب غياب مواد التخدير، قبل أن تتوفى بعد إجرائها العملية بأيام قليلة.
إدارة متعثرة واستثمارات معلقة
يعاني المستشفى من إشكاليات إدارية مزمنة، أبرزها تأخر افتتاح قسم المستعجلات الرئيسي لأكثر من أربع سنوات، رغم تخصيص ميزانية تفوق 6.1 مليون درهم لإعادة تأهيله. هذا التأخير دفع الإدارة إلى تحويل جزء من قسم الاستقبال إلى قسم “مستعجلات مؤقت”، يعاني من إهمال ونقص في التجهيزات الأساسية.
تضاف إلى ذلك، مشكلة غياب المدير لثلاث سنوات متتالية، تخللها تعيين مديرين بالنيابة، وهو ما أثر سلبًا على أداء المستشفى. ورغم تعيين مدير جديد في مايو 2021، إلا أن قراراته أثرت على جودة الخدمات وظروف عمل الموظفين، وأدت إلى عدم استغلال مثالي للتجهيزات والمباني التي تم التبرع بها خلال فترة كورونا.
القطاع الخاص يستفيد والمهنيون في حيرة
تُشير المعطيات إلى أن الأوضاع المتردية في مستشفى الحسن الثاني تدفع المرضى إلى اللجوء إلى المصحات الخاصة، مما يزيد من أعبائهم المالية. كما أن بعض الموظفين بالمستشفى العمومي يوجهون المرضى نحو القطاع الخاص، وهو ما يُعد خرقًا لأخلاقيات المهنة.
تتفاقم الأزمة بسبب وجود أطباء في القطاع العام يعملون أيضًا في مصحات خاصة، رغم القوانين التي تمنع ذلك. وقد سبق لوزير الصحة الأسبق أن أوقف أطباء بأكادير وإنزكان لجمعهم بين العمل في القطاعين.
بنية تحتية ضعيفة وخصاص في الأطر
تُظهر الإحصائيات الرسمية أن جهة سوس ماسة تعاني من ضعف كبير في البنية التحتية الصحية، وخصاص حاد في الأطر الطبية. فعدد الأطباء في القطاع العام لا يتجاوز 520 طبيبًا مقابل 741 طبيبًا في القطاع الخاص، مما يُظهر تفاوتًا كبيرًا في التغطية الصحية. كما أن نسبة الأَسِرَّة في المستشفيات هي الأضعف على المستوى الوطني، حيث يوجد سرير واحد لكل 1895 مواطنًا.
في ظل هذه الأوضاع، يبقى السؤال مطروحًا: هل تستطيع الإدارة الحالية تجاوز هذه التحديات، أم أن الأمر يتطلب تدخلاً جذريًا لإعادة هيكلة القطاع الصحي في الجهة وإنقاذه من أزمته؟