موائد الإفطار… حين تتحول الأجواء الرمضانية إلى فضاء لترتيب الأوراق الانتخابية

مع حلول شهر رمضان من كل سنة، تتحول موائد الإفطار الجماعية في عدد من المناطق إلى فضاءات للقاء والتواصل الاجتماعي والتضامن الإنساني، غير أن هذه الأجواء الروحانية لا تخلو في بعض الأحيان من توظيفات سياسية وانتخابية، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية أو بداية التحضير المبكر لها. وفي عدد من الأقاليم، من بينها إقليم اشتوكة آيت باها، بدأت تبرز ملامح استغلال بعض الفاعلين السياسيين لهذه المناسبة لتنظيم لقاءات تبدو في ظاهرها اجتماعية، لكنها في العمق تحمل رسائل انتخابية واضحة وتستهدف إعادة ترتيب التحالفات وتوسيع قواعد الدعم.
هذا التحول في طبيعة بعض الأنشطة الرمضانية يأتي في سياق إجراءات اتخذتها السلطات العمومية خلال السنوات الأخيرة للحد من استغلال العمل الخيري لأغراض سياسية. فقد شددت وزارة الداخلية الرقابة على توزيع المساعدات الغذائية المعروفة بـ”قفف رمضان”، بعدما تبين في مناسبات عديدة أنها كانت تُستعمل لاستمالة الناخبين أو الترويج لمرشحين وأحزاب سياسية، وهو ما اعتبرته السلطات مساساً بمبدأ تكافؤ الفرص بين المتنافسين في العملية الانتخابية.
وقد أكدت الوزارة في دوريات سابقة ضرورة احترام الضوابط القانونية المنظمة للعمل الخيري ومنع توظيفه في الحملات السياسية المبكرة أو في أي نشاط قد يُفهم منه التأثير على إرادة الناخبين.
غير أن التضييق على هذه الممارسات لم ينهِ بشكل كامل محاولات توظيف العمل الاجتماعي سياسياً، بل دفع بعض الفاعلين إلى البحث عن أساليب بديلة أقل وضوحاً. فبدل توزيع القفف الغذائية بشكل مباشر، ظهرت في بعض المناطق ممارسات جديدة تعتمد منح قسيمات أو بطاقات لشراء المواد الغذائية من متاجر كبرى، وهو أسلوب يرى متتبعون أنه يهدف إلى الالتفاف على القيود المفروضة على توزيع المساعدات، مع الحفاظ على نفس الهدف المتمثل في كسب تعاطف الناخبين واستمالة الفئات الهشة.
وفي هذا السياق، تشير معطيات متداولة محلياً بإقليم اشتوكة آيت باها إلى تنظيم لقاء رمضاني جمع بين رجل الأعمال محمد سعيد كرم، المنتمي إلى حزب التجمع الوطني للأحرار، والحسين مخلص القيادي في حزب الأصالة والمعاصرة. اللقاء قُدِّم في ظاهره كمناسبة اجتماعية في إطار أجواء الإفطار الرمضاني، غير أن مصادر محلية تؤكد أن النقاشات التي دارت خلاله تجاوزت البعد الاجتماعي، لتلامس قضايا ذات طابع سياسي وانتخابي، من بينها التحضير المبكر للاستحقاقات المقبلة وإمكانية التنسيق بين الطرفين على مستوى الإقليم.
وتفيد المصادر نفسها بأن هذا اللقاء شكل فرصة لتبادل وجهات النظر حول إعادة ترتيب الخريطة الانتخابية في اشتوكة آيت باها، خصوصاً في ما يتعلق بملف التزكيات الحزبية والتحالفات المحتملة. كما تم التطرق، بحسب المعطيات ذاتها، إلى السيناريوهات الممكنة لضمان حضور قوي لبعض الأسماء السياسية خلال الاستحقاقات المقبلة، في ظل التحولات التي يعرفها المشهد الحزبي المحلي.
ومن بين النقاط التي يثار حولها نقاش داخل الأوساط السياسية بالإقليم احتمال عودة محمد سعيد كرم إلى السباق الانتخابي بعد انتهاء فترة منعه القضائي، وهو ما قد يعيد خلط الأوراق داخل الساحة السياسية المحلية، بالنظر إلى حضوره الاقتصادي وعلاقاته داخل عدد من الأوساط الاجتماعية. وفي المقابل، تشير المصادر إلى أن الحسين مخلص يدعم ترشيح أحد المقربين منه للانتخابات التشريعية المقبلة، ويتعلق الأمر برئيس جماعة بيوكرى الحسين الفارسي، الذي يُنظر إليه كأحد الوجوه الصاعدة في المشهد السياسي بالإقليم.
ويبدو أن هذا التقارب بين شخصيات تنتمي إلى حزبين مختلفين يعكس طبيعة التوازنات السياسية المحلية، حيث تتجاوز التحالفات أحياناً الحدود الحزبية التقليدية، خاصة عندما يتعلق الأمر بضمان مواقع متقدمة في الخريطة الانتخابية أو تأمين دعم انتخابي واسع. وفي مناطق مثل اشتوكة آيت باها، حيث تلعب العلاقات الاجتماعية والاقتصادية دوراً مؤثراً في السلوك الانتخابي، تصبح مثل هذه اللقاءات مناسبة لتقريب وجهات النظر وبناء تفاهمات قد تظهر نتائجها خلال الاستحقاقات المقبلة.
غير أن هذه التحركات لا تمر دون إثارة نقاش واسع داخل الأوساط السياسية والمدنية، إذ يرى عدد من المتابعين أن استغلال الأجواء الرمضانية في ترتيب الحسابات الانتخابية قد يفرغ هذه المناسبات من بعدها التضامني والروحي، ويحولها إلى أدوات ضمن حملة انتخابية غير معلنة. كما يطرح هذا الواقع تساؤلات حول مدى احترام مبدأ تكافؤ الفرص بين الفاعلين السياسيين، خصوصاً عندما تُستعمل الأنشطة الاجتماعية كوسيلة غير مباشرة للتأثير في المزاج الانتخابي.
وفي حال تأكدت مؤشرات هذا التنسيق بين بعض الفاعلين السياسيين بالإقليم، فإن ذلك قد يؤدي إلى تغييرات ملحوظة في موازين القوى داخل حزبي التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة على المستوى المحلي. كما قد يدفع بعض الأسماء السياسية، التي قد تجد نفسها خارج حسابات التزكيات أو التحالفات الجديدة، إلى البحث عن مواقع بديلة داخل أحزاب أخرى استعداداً للاستحقاقات المقبلة.
وهكذا، وبين موائد الإفطار وأحاديث السياسة، يبدو أن السباق نحو الانتخابات بدأ مبكراً في بعض مناطق المغرب، حتى وإن كان ذلك تحت غطاء اللقاءات الرمضانية التي يفترض أن تكون فضاء للتواصل الاجتماعي والتآزر، لا ساحة لإعادة رسم خرائط التنافس السياسي.

A.Boutbaoucht

الأخبار ذات الصلة

المزيد من الأخبار جار التحميل...لا يوجد المزيد من الأخبار

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *