تعكس الأرقام الأخيرة لشركة إيرباص استمرار الطلب القوي على الطائرات التجارية عالميا، في وقت يواصل فيه المغرب ترسيخ مكانته كشريك صناعي مهم في قطاع الطيران. ولم تعد علاقة المملكة بالشركات العالمية مقتصرة على اقتناء الطائرات أو الخدمات المرتبطة بها، بل تطورت نحو استقطاب الاستثمارات وتوطين الأنشطة الصناعية، مستفيدة من الموقع الجغرافي للمغرب وقربه من الأسواق الأوروبية، إلى جانب توفر الكفاءات والبنيات التحتية المتخصصة.
وتبرز النواصر بشكل خاص في هذا المسار، بعدما تحولت إلى أحد أهم الأقطاب الصناعية المرتبطة بصناعة الطيران في المغرب، فموقعها القريب من مطار محمد الخامس، وتوفرها على مناطق صناعية متخصصة ومؤسسات للتكوين، جعلا منها بيئة ملائمة لاستقرار الشركات العالمية والمقاولات المتخصصة في تصنيع مكونات الطائرات وخدمات الصيانة والهندسة. وهو ما ساهم في بناء منظومة صناعية متكاملة تتوسع تدريجيا حول سلاسل القيمة المرتبطة بالطيران.
وتكتسي علاقة المغرب بإيرباص أهمية تتجاوز الجانب التجاري، لأنها تفتح المجال أمام المملكة للاندماج بصورة أعمق في منظومة صناعة الطائرات العالمية. فكلما توسعت الأنشطة الصناعية المرتبطة بمصنعي الطائرات، ازدادت فرص المقاولات المغربية في المشاركة في سلاسل التوريد، كما تتاح للكفاءات الوطنية إمكانية اكتساب خبرات جديدة في مجالات التصنيع والهندسة والجودة والصيانة، وهي مجالات ذات قيمة مضافة مرتفعة.
ويعزز حضور الشركات العالمية الكبرى في النواصر جاذبية المنطقة أمام استثمارات جديدة، إذ إن تجمع المصنعين والموردين وشركات الخدمات في مجال جغرافي واحد يخلق منظومة صناعية قادرة على جذب فاعلين جدد.
كما أن توطين المشاريع الكبرى يساعد المغرب على الانتقال تدريجيا من استقطاب الأنشطة ذات الطابع الإنتاجي البسيط إلى احتضان مشاريع أكثر تعقيدا ترتبط بالهندسة والتصنيع المتخصص والصيانة وإنتاج مكونات ذات أهمية استراتيجية.
وتبرز أهمية هذا التوجه أيضا في قدرته على خلق فرص شغل مؤهلة وتطوير الكفاءات المغربية، بدل الاقتصار على الوظائف المرتبطة بالإنتاج التقليدي. فصناعة الطيران تحتاج إلى مهندسين وتقنيين ومتخصصين في مراقبة الجودة والبحث والتطوير، الأمر الذي يدفع منظومة التكوين الوطنية إلى مواكبة حاجيات القطاع. وكلما ارتفعت نسبة المكونات والخدمات التي يتم إنتاجها داخل المغرب، ارتفعت القيمة المضافة التي تستفيد منها الاقتصاد الوطني.
ومن هذا المنظور، فإن توطين مشاريع إيرباص والشركات المرتبطة بها في النواصر يمثل رهانا استراتيجيا للمغرب، لأنه يعزز موقع المملكة داخل خريطة صناعة الطيران العالمية ويمنحها فرصة للارتقاء في سلم القيمة الصناعية.
وإذا استمر استقطاب المشاريع ذات التكنولوجيا المتقدمة وتطوير الكفاءات المحلية، فقد تتحول النواصر خلال السنوات المقبلة إلى منصة صناعية أكثر أهمية، ليس فقط بالنسبة للسوق المغربية، وإنما لخدمة سلاسل الإنتاج العالمية في قطاع الطيران.





