شهد إقليم إنزكان آيت ملول لحظة تنظيمية فارقة داخل حزب العدالة والتنمية خلال جمعه العام الإقليمي الانتدابي، حيث كشفت هذه المحطة، التي بدت في ظاهرها ممارسة ديمقراطية لاختيار مرشحي الاستحقاقات التشريعية، عن مؤشرات عميقة تؤكد أفول حزبٍ أنهكته الصراعات الداخلية قبل أن تنال منه الخصومات الخارجية. فبعد أن كان اللقاء يُفترض أن يجسد الانضباط الحزبي المعهود، تحول إلى ساحة صراع مفتوح عكست حجم التشظي الذي بات يطبع القلعة الانتخابية للحزب بالمنطقة، إذ إن تقديم 47 اسماً للترشح مقابل 75 عضواً فقط لم يكن دليلاً على الحيوية بقدر ما كان مؤشراً صريحاً على غياب التوافقات القبلية، ودخول مختلف التيارات في سباق لفرض الذات وقياس النفوذ، في مشهد يختزل انتقال الحزب من منطق التنظيم الرصين إلى منطق التنازع المحموم.
وسط هذا المناخ المتوتر، برز اسم أحمد أدراق كمتصدر للنتائج، غير أن صدارته لم تكن مريحة، بل جاءت عقب معركة حادة كادت تطيح به في اللحظات الأخيرة أمام ضغط قوي من محمد العبوبي الذي نافسه حتى الرمق الأخير، بينما ظل محمد اجعموم قريباً من قلب المعادلة. وهذا الفوز الذي تحقق “بشق الأنفس” لا يعكس قوة التنظيم بقدر ما يبرز هشاشة التوازنات القائمة، خاصة مع تراجع منسوب الثقة في باقي الأسماء التي بدت خارج دائرة التأثير الحقيقي، مما يؤكد أن القرار الحزبي انحصر داخل دائرة ضيقة، وأن القواعد لم تعد تمتلك ذات الوزن أو التأثير، وهو معطى يعمق الإحساس بأن الحزب يعيش حالة انكماش تنظيمي حاد.
في هذا السياق، لا يمكن قراءة ما حدث بإنزكان آيت ملول كمجرد تنافس انتخابي داخلي، بل هو عنوان لمرحلة “التآكل التدريجي”؛ فالحزب الذي قدم نفسه لسنوات كنموذج في الانضباط وتدبير الاختلاف، بات اليوم أسيراً لصراعاته وعاجزاً عن إنتاج توافقات صلبة، مما يطرح علامات استفهام جدية حول قدرته على خوض الاستحقاقات المقبلة بصف موحد. ورغم هذا المشهد القاتم، فإن تصدر أحمد أدراق للسباق رغم كل العراقيل يعكس امتلاكه لرصيد سياسي وشخصي وازن، لكن الطريقة التي انتُزع بها هذا الفوز توحي بأن كفاءته قد تجد مجالاً أرحب داخل فضاء سياسي يؤمن بالاستثمار في الطاقات بدل استنزافها. وبناءً عليه، فإن ما جرى ليس محطة عابرة، بل هو مؤشر دال على نهاية حقبة تنظيمية، ولحظة مفصلية قد تدفع ببعض الكفاءات للبحث عن أفق سياسي جديد ينسجم مع طموحاتهم ويمنحهم شروط الاشتغال الفعّال.







