تجد الحكومة المغربية نفسها اليوم، وهي التي رفعت شعار “الدولة الاجتماعية” كعنوان بارز لولايتها الانتدابية، أمام امتحان عسير يضع وعودها الانتخابية في مواجهة مباشرة مع تقلبات السوق الطاقية.
ففي الوقت الذي يستمر فيه رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، في استعراض حصيلة منجزاته تحت قبة البرلمان بناءً على مقتضيات الفصل 101 من الدستور، تأتي الزيادات المتتالية في أسعار مادة “الغازوال” لترخي بظلالها على المشهد العام، مثيرة تساؤلات جوهرية حول قدرة الآليات الاجتماعية المعتمدة على امتصاص الصدمات الاقتصادية المتلاحقة.
إن التناقض الظاهري بين خطاب الدعم الاجتماعي وبين واقع الارتفاع المطرد في أسعار المحروقات يشكل مادة دسمة للنقاش العمومي؛ فالحكومة التي نجحت في إرساء دعائم الدعم الاجتماعي المباشر وتعميم التغطية الصحية، تجد أن هذه المكتسبات قد تتعرض للتآكل بفعل التضخم المستورد.
فالغازوال والوقود بشكل عام ليس مجرد سلعة طاقية، بل هي المحرك الأساسي لسلاسل التوريد والإنتاج، وأي زيادة في سعرها تنعكس بشكل آلي وفوري على تكلفة نقل البضائع والمنتجات الفلاحية، مما يؤدي إلى موجة غلاء تصيب القفة اليومية للمواطن في مقتل، لاسيما الفئات الهشة التي تشكل صلب مشروع “الدولة الاجتماعية”.
على المستوى الاقتصادي، تضع هذه الزيادات المقاولة المغربية، وخاصة الصغرى والمتوسطة منها، في وضع حرج، حيث تتقلص هوامش الربح وتزداد كلفة الإنتاج، مما قد يحد من قدرتها التنافسية ومن فرص خلق الشغل.
وبالرغم من الدعم الاستثنائي الذي خصصته الحكومة لمهنيي النقل الطرقي بغرض الحفاظ على استقرار أسعار النقل، إلا أن مفعول هذا الإجراء يظل محدوداً أمام اتساع رقعة التأثيرات غير المباشرة التي تطال مختلف القطاعات الإنتاجية.
هذا الوضع يفرض تحدياً على الموازنة العامة، التي تحاول التوفيق بين الاستمرار في تمويل الأوراش الاجتماعية الكبرى وبين ضرورة التدخل لضبط الاختلالات الناتجة عن تقلبات الأسعار الدولية.أما اجتماعياً، فإن “الفاتورة الطاقية” أصبحت تشكل عبئاً نفسياً ومادياً يهدد السلم الاجتماعي ويضعف الثقة في فعالية البرامج الموجهة لمحاربة الفقر.
فالمواطن البسيط يجد صعوبة في التوفيق بين لغة الأرقام المتفائلة التي تعلنها الحكومة في حصيلتها، وبين واقع “القفة” اليومية التي تزداد ثقلاً.
إن الرهان الحقيقي الذي يواجه الحكومة في ما تبقى من ولايتها، لا يكمن فقط في تنزيل القوانين والمراسيم، بل في ابتكار حلول هيكلية تضمن حماية القدرة الشرائية من تقلبات “الأسواق” التي لا تعترف بالحدود ولا بالخصوصيات الاجتماعية، وذلك لضمان أن تظل “الدولة الاجتماعية” واقعاً ملموساً لا مجرد شعار سياسي تصطدم طموحاته عند أول محطة وقود.







