المغرب وفرنسا يرفعان سقف الشراكة.. الرباط تحتضن قمة التحول الاستراتيجي

لا تمثل زيارة الوزير الأول الفرنسي، سيباستيان لوكورنو، إلى المغرب يومي 15 و16 يوليوز 2026 مجرد محطة بروتوكولية تسبق انعقاد الدورة الخامسة عشرة للاجتماع رفيع المستوى المغربي-الفرنسي، بل تعكس انتقال العلاقات بين الرباط وباريس إلى مرحلة جديدة عنوانها ترسيخ الشراكة الاستراتيجية بعد سنوات من الفتور والتوتر الدبلوماسي.

فاستقبال رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، لنظيره الفرنسي، واصطحاب الأخير لوفد وزاري وازن، يكشفان أن جدول الأعمال يتجاوز الملفات التقليدية، ليشمل مشاريع اقتصادية واستثمارية وصناعية وأمنية يراد لها أن تؤسس لمرحلة طويلة الأمد في العلاقات الثنائية.

وتأتي هذه الزيارة في سياق سياسي مختلف تماما عن السنوات الماضية، بعدما حسمت فرنسا موقفها من قضية الصحراء المغربية، من خلال دعمها الواضح لمغربية الصحراء واعتبار مبادرة الحكم الذاتي الإطار الأكثر جدية وواقعية لتسوية النزاع، وهو التحول الذي أنهى إحدى أكبر نقاط الخلاف بين البلدين وأعاد الثقة إلى مسار العلاقات الثنائية.

ومن المنتظر أن يشكل الاجتماع رفيع المستوى منصة لترجمة هذا التقارب السياسي إلى اتفاقيات عملية، خاصة في القطاعات التي أصبح المغرب يحتل فيها موقعا متقدما، من قبيل صناعة السيارات والطيران والطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر والبنيات التحتية والسكك الحديدية والموانئ والرقمنة والذكاء الاصطناعي.

كما تكتسي هذه الدورة أهمية خاصة بالنظر إلى التحولات الجيوسياسية التي تشهدها منطقة البحر الأبيض المتوسط وإفريقيا، حيث بات المغرب يمثل بالنسبة لفرنسا بوابة استراتيجية نحو القارة الإفريقية، فيما ترى الرباط في باريس شريكا أوروبيا قادرا على مواكبة المشاريع الكبرى التي أطلقتها المملكة استعدادا لتنظيم كأس العالم 2030، إلى جانب مشاريع التصنيع والسيادة الطاقية.

ويعكس حضور عدد من الوزراء المغاربة المكلفين بقطاعات الفلاحة والصناعة والنقل والرقمنة، إلى جانب الوفد الوزاري الفرنسي، أن الأولوية لم تعد مقتصرة على الحوار السياسي، وإنما أصبحت موجهة نحو إرساء شراكات اقتصادية ذات قيمة مضافة، تشمل نقل التكنولوجيا، والاستثمار الصناعي، وتعزيز سلاسل الإنتاج المشتركة.

وفي البعد الأمني، تظل الرباط وباريس أمام تحديات مشتركة مرتبطة بمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية، وهي ملفات عززت خلال السنوات الماضية من أهمية التعاون الاستخباراتي بين البلدين، الذي يعد من أكثر مجالات الشراكة استقرارا وفعالية.

وتكتسب هذه الزيارة أيضا بعدا تنافسيا في ظل سعي فرنسا إلى استعادة موقعها الاقتصادي داخل السوق المغربية، بعدما شهدت السنوات الأخيرة دخول فاعلين دوليين جدد، خاصة من الصين والولايات المتحدة ودول الخليج وإسبانيا، وهو ما يدفع باريس إلى إعادة صياغة حضورها في المملكة وفق منطق الشراكة المتكافئة بدل العلاقات التقليدية.

إن الدورة الخامسة عشرة للاجتماع رفيع المستوى لا تبدو أنه مجرد لقاء حكومي دوري؛ بل هي تمثل اختبارا لقدرة الرباط وباريس على تحويل التقارب السياسي الذي تحقق خلال الأشهر الماضية إلى مشاريع ملموسة واستثمارات استراتيجية، بما يؤسس لمرحلة جديدة من العلاقات الثنائية تقوم على المصالح المشتركة والتكامل الاقتصادي والتنسيق الجيوسياسي في محيط إقليمي ودولي يشهد تحولات متسارعة.

الأخبار ذات الصلة

المزيد من الأخبار جار التحميل...لا يوجد المزيد من الأخبار

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *