يُجمع المتتبعون للمشهد السياسي المغربي على أن حزب التجمع الوطني للأحرار استطاع فرض نفسه كقوة سياسية وازنة وطنياً، بفضل دينامية تنظيمية محكمة وخطاب سياسي حاول الاقتراب من تطلعات المواطنين، غير أن هذا الأداء القوي على المستوى المركزي بات يصطدم بتناقض صارخ ومفارقة غريبة حينما يتعلق الأمر بوضعه المحلي في منطقة شمال أكادير. فقد جاءت نتائج الانتخابات الجزئية الأخيرة لتعمق جراح الحزب في هذه المنطقة، بعد تكبده خسارة وُصفت بـ”السقوط المدوي” وفشله في انتزاع أي مقعد، رغم قيادته للتحالف الحكومي وتموقعه كقوة أولى في الخارطة السياسية الوطنية، وهو ما اعتبره مراقبون دليلاً قاطعاً على فشل التدبير الميداني الصرف وليس مجرد سوء حظ أو عثرة عابرة.
وتتجه أصابع الاتهام في هذا التراجع الحاد نحو الأداء التواصلي والتدبيري للقيادة الإقليمية، وفي مقدمتها المنسق الإقليمي عبد الله المسعودي، الذي بات يُنظر إليه داخل الأوساط الحزبية والمحلية كنقطة انقطاع بدل أن يكون حلقة وصل فاعلة بين توجهات الحزب وانتظارات المواطنين. فالغياب شبه التام للتواصل وضعف آليات التأطير والتنظيم الميداني، أدى إلى ابتعاد الحزب عن نبض الشارع المحلي، مما خلق فراغاً قاتلاً استغلته أحزاب منافسة بذكاء، حيث وجد كل من حزب التقدم والاشتراكية، وحزب الاستقلال، وحزب الأصالة والمعاصرة، الطريق معبداً للظفر بالمقاعد في غياب تام ومثير للتساؤل لممثلي “الحمامة” في توزيع خارطة النفوذ الانتخابي بالمنطقة.
إن هذه المفارقة السياسية تزداد حدة حينما يُقارن وضع شمال أكادير بنجاحات الحزب في أقاليم أخرى، حيث أثمر العمل الميداني المنظم والمنصت للمواطن نتائج مبهرة، مما يؤكد أن الأزمة في أكادير هي أزمة قيادة وتنسيق محلي بامتياز. هذا الوضع المتردي أدى إلى تصاعد أصوات داخلية من داخل “الأحرار” تنتقد بشدة حالة الجمود الحالية، وتطالب صراحة بإنهاء هذه المرحلة وضخ دماء وكفاءات جديدة قادرة على إعادة الحيوية للعمل الحزبي واستعادة ثقة القواعد التي شعرت بالتهميش والضياع التنظيمي.
وإزاء هذا الوضع، تجد القيادة الوطنية للحزب، وعلى رأسها محمد شوكي، نفسها أمام اختبار حقيقي لإثبات مدى جديتها في تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة الذي ترفعه شعاراً لها. فالقرار المنتظر يضع الحزب أمام خيارين لا ثالث لهما: إما التدخل الحازم لتصحيح المسار التنظيمي بالإقليم، أو الاستمرار في الوضع الحالي بما يحمله من كلفة سياسية باهظة قد تضر بصورة الحزب ومكتسباته الوطنية. فالأزمة، وإن كانت محلية في ملامحها، إلا أن استمرار ضعف القيادة الإقليمية بشمال أكادير يهدد بنزيف تنظيمي قد يمتد أثره أبعد من حدود المنطقة، ما لم يتم تدارك الأمر برؤية تصحيحية شاملة تعيد الاعتبار للمناضلين وللمواطن على حد سواء.








