أسدل الستار بمدينة الدشيرة الجهادية، على فعاليات الدورة الرابعة عشرة للمهرجان الوطني لفن الروايس، الذي نُظم تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، من طرف وزارة الشباب والثقافة والتواصل – قطاع الثقافة، بشراكة مع عمالة إنزكان آيت ملول والمجلس الجماعي للدشيرة، في محطة ثقافية أكدت من جديد المكانة التي بات يحتلها هذا الموعد السنوي ضمن أبرز التظاهرات الوطنية المعنية بصون التراث اللامادي المغربي.
وشكلت الدورة الحالية نموذجاً للتنظيم المحكم والتنسيق المؤسساتي الناجح، حيث مرت مختلف الفعاليات في أجواء سلسة، سواء على مستوى الاستقبال أو البرمجة أو التدبير اللوجستي، وهو ما انعكس إيجاباً على الحضور الجماهوري المكثف الذي واكب السهرات الفنية والأنشطة الموازية طيلة أيام المهرجان.
ولم يعد المهرجان مجرد مناسبة لتقديم عروض فنية، بل تحول إلى فضاء متكامل للاحتفاء بأحد أبرز مكونات الهوية الثقافية الأمازيغية، من خلال الجمع بين المحافظة على فن الروايس باعتباره تراثاً عريقاً، والانفتاح على رهانات التجديد واستقطاب جيل جديد من الفنانين والمهتمين بهذا اللون الغنائي الذي يشكل جزءاً من الذاكرة الجماعية لسكان سوس والمغرب عموماً.
وعاشت منصة المهرجان على امتداد ثلاثة أيام على إيقاع سهرات كبرى أحياها كبار رواد فن الروايس، الذين قدموا لوحات فنية استحضرت مسار هذا الفن وتطوره، وسط تفاعل جماهيري كبير عكس استمرار ارتباط الجمهور بهذا التراث، وقدرته على مواكبة مختلف التحولات دون أن يفقد أصالته أو خصوصيته الفنية.
وفي بعده الإنساني، واصل المهرجان تقليداً أصبح يميز دوراته الأخيرة، من خلال تنظيم عروض فنية لفائدة نزلاء المؤسسات السجنية بمدينة أيت ملول، في مبادرة تؤكد أن الثقافة ليست حكراً على الفضاءات التقليدية، بل هي حق للجميع وأداة للاندماج وإعادة الاعتبار للإنسان عبر قوة الفن والإبداع.
كما حافظت مسابقة الروايس الشباب، في نسختها التاسعة، على دورها كرافعة لاكتشاف الطاقات الصاعدة، إذ أتاحت الفرصة أمام مواهب جديدة لإبراز إمكاناتها الفنية، في خطوة تعكس وعياً بأهمية الاستثمار في الخلف الثقافي لهذا الفن وضمان استمراريته عبر الأجيال.
ولأن المحافظة على التراث لا تقتصر على العروض الفنية، فقد حرصت إدارة المهرجان على إغناء البرنامج بأنشطة فكرية ومهنية، شملت لقاءً مفتوحاً حول واقع وآفاق فن تيرويسا، وعرض فيلم وثائقي يوثق لمساره، إلى جانب ورشة تكوينية تناولت آليات تمويل المشاريع الثقافية والإبداعية، وهو ما منح التظاهرة بعداً معرفياً يتجاوز الفرجة الفنية إلى النقاش حول مستقبل الصناعات الثقافية.
واستأثر معرض الذاكرة الفنية باهتمام الزوار والباحثين، بعدما قدم رحلة توثيقية في تاريخ فن الروايس، من خلال عرض آلات موسيقية تقليدية ووثائق وصور نادرة، أسهمت في تقريب الأجيال الجديدة من محطات مضيئة في مسار الأغنية الأمازيغية وروادها.
وفي لحظة وفاء استحضر فيها المهرجان قيمة الاعتراف، تم تكريم ثلاثة من أعلام فن الروايس، وهم شاعر الجالية إبراهيم بيهتي (بيهي بومليك)، والفنانة فاطمة تنرزيفت (فاطمة أزروال)، والفنان محمد بنضاج (محمد بزكرا)، تقديراً لما قدموه من إسهامات فنية أسهمت في حفظ هذا التراث وتطويره وإغناء رصيده الإبداعي.
وسجل متتبعون أن النجاح الذي حققته الدورة الرابعة عشرة لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة عمل تنظيمي متواصل وتنسيق دقيق بين مختلف المتدخلين، وفي مقدمتهم المديرية الجهوية للثقافة بجهة سوس ماسة، التي لعبت دوراً محورياً في الإعداد والإشراف على مختلف مراحل التنظيم، بما ضمن إخراج هذه التظاهرة في صورة تليق بمكانة المهرجان وبالرهانات الثقافية التي يحملها.
ويؤكد اختتام هذه الدورة أن المهرجان الوطني لفن الروايس تجاوز كونه موعداً فنياً موسمياً، ليصبح مشروعاً ثقافياً متكاملاً يساهم في تثمين التراث الأمازيغي، وصيانة الذاكرة الجماعية، وخلق جسور التواصل بين الرواد والشباب، فضلاً عن تعزيز الإشعاع الثقافي لجهة سوس ماسة وترسيخ مكانتها كحاضنة لأحد أهم الفنون التراثية بالمغرب، في انسجام مع الرؤية الوطنية الرامية إلى حماية الموروث الثقافي اللامادي وجعله رافعة للتنمية الثقافية والسياحية.
A.Bout











































